مع القرآن: تلاوة تُؤجَر وتدبّر يُحيي القلب
تمرّ على المصحف في بيوتنا أيام لا تُفتح له فيها صفحة، ثم نتذكره فجأة كما نتذكر صديقًا قديمًا انشغلنا عنه. غير أن هذا الكتاب ليس رفيقًا عابرًا؛ فقد أعلى الله مكانه، وجعله أشرف الكتب وأكملها، وجعل لمن يقبل عليه أجرًا لا يخطر على بال. ولتلاوته جمالان: ثواب ينتظر القارئ عند ربه، وأثر يتسلل إلى قلبه إن أحسن التلاوة وأحسن الفهم.
وقد جرى على الألسنة أن شرف العلم بشرف ما يتعلق به، فكيف بكتاب قال الله فيه: ﴿وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٌۭ لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌۭ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍۢ﴾ (سورة فصلت: 41-42)
وقد وصفه الله بأنه أحسن الحديث، فقال سبحانه: ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَٰبًۭا مُّتَشَٰبِهًۭا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ (سورة الزمر: 23) وتعهّد بحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ (سورة الحجر: 9)
أجر الحرف وتجارة لا تكسد
أول ما يلفت النظر في فضل التلاوة أن الأجر فيها محسوب بالحرف. يروي ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ {الم} حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ» (رواه الترمذي، رقم 2910). فكل حرف تنطق به يُكتب لك، ثم يتضاعف.
وقد سمّى القرآن هذا العمل تجارة، فقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ يَرْجُونَ تِجَٰرَةًۭ لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ غَفُورٌۭ شَكُورٌۭ﴾ (سورة فاطر: 29-30) ويذكر أهل العلم أن المقصود بالذين يتلون كتاب الله من يداومون على قراءته ويتبعون ما فيه حتى يصير ذلك سمة لهم. وهي تجارة لا تكسد، يطلب صاحبها رضا الله والفوز بجزيل ثوابه والنجاة من سخطه.
ولا يُحرم أحد من هذا الفضل لضعفه في القراءة. فالناس يتفاوتون في المهارة، ولكل منهم نصيبه، كما جاء عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ» (رواه مسلم، رقم 798). فالماهر في رفقة الملائكة، والمتعثر الذي لا يترك المحاولة له أجر على القراءة وأجر على المشقة.
شفيع يوم القيامة ومنزلة عند آخر آية
وفضل القرآن لا يقف عند الدنيا. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ» (رواه مسلم، رقم 804، من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه). وفي الحديث نفسه أن سورتي البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان تحاجّان عن صاحبيهما.
وأما المنزلة، ففيها حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا» (رواه أبو داود، رقم 1464، والترمذي، رقم 2914). ما أجمل أن تكون درجاتك في الآخرة بمقدار ما حملت من كتاب ربك!
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (رواه البخاري، رقم 5027).
التدبر: روح التلاوة
غير أن القراءة التي لا يصحبها فهم تشبه من يتصفح جريدة أو قصة ويطويها. ولذلك عدّ أهل العلم أن تفهّم القرآن وتدبره هو المقصود الأعظم والمطلوب الأهم من التلاوة، فبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب.
وقد جاء الأمر بذلك صريحًا في أكثر من موضع: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا﴾ (سورة النساء: 82) وقال سبحانه: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ مُبَٰرَكٌۭ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ﴾ (سورة ص: 29) وفي سورة محمد جاء العتاب بلغة تهزّ القلب: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ (سورة محمد: 24)
والتأمل في القرآن، على ما ذكره أهل العلم، أن يحدّق القلب في معانيه ويجمع الفكر على تدبرها وتعقلها؛ وهذا هو المقصود من إنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم. وقد أمر الله بالترتيل في قوله: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ (سورة المزمل: 4) وبيّن ابن كثير في تفسير الآية أن المراد القراءة على تمهّل، فإنه عون على فهم القرآن وتدبره، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ.
ومن الغبن أن يجهد أحدنا نفسه في ختم المصحف طلبًا للحسنات الموعودة، ثم لا يجعل للتدبر نصيبًا من يومه، وقد غفل عمّا يثمره التدبر من تزكية للروح وتهذيب للنفس ورقيّ في مدارج الإيمان. والتدبر في أصله تأمل المعاني والتفكر في الحِكَم والتبصر بما في القرآن من الآيات.
ثمرة تظهر في السلوك
وللقرآن أثر في النفس تحدثه المداومة عليه، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد: 28)
ولهذا ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا يلخّص المعنى: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ، لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ» (رواه البخاري، رقم 5427). فالذي يقرأ ويعمل يفوح أثره على من حوله، وتجتمع له طيبة الباطن وطيب الظاهر.
وخلاصة ما ذكره أهل العلم أن الثمرة الحقيقية للعبادات علمٌ وعملٌ وتدبّر، تثمر الخشية ويزداد بها المؤمن إيمانًا. فليكن لك من يومك جلسة مع كتاب ربك، تقرأ فيها بقلب حاضر، وتقف عند الآية التي تمسّك، وتسأل نفسك: ماذا أراد الله مني بهذه الآية؟ وربما كانت إجابتها أول سطر في صفحة جديدة من حياتك.
المراجع
- إسلام ويب — فضل قراءة القرآن
- إسلام ويب — فضل تدبر القرآن
- شبكة الألوكة — فضل القرآن وفضل أهله وأهمية قراءته للمسلم
- موسوعة الأحاديث النبوية (هدي الإسلام) — أحاديث فضائل القرآن الكريم (للتحقق من تخريج الأحاديث وأرقامها)
