مسجد تاريخي في كيشورغنج
| |

الصيام مدرسة التقوى: ما الذي يتعلمه الصائم؟

في المدارس تتوزع الدروس على مواد، ويحمل الطالب في نهاية العام شهادة تشهد بما حصّله. أما مدرسة الصيام فمنهجها واحد وغايتها واحدة، ودرسها يتكرر كل يوم من الفجر إلى الغروب. وقد وصفه بعض أهل العلم بأنه «مدرسة التقوى ودار الهدى»، وقالوا إن من دخله بنية صادقة واتباع صحيح خرج منه بشهادة الاستقامة.

وليس هذا الوصف من قبيل البلاغة وحدها، فالآية التي فرضت الصيام وضعت الغاية في ختامها: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة البقرة: 183)

التقوى: الغاية التي من أجلها شُرع الصيام

ويبيّن شرّاح الآية أن التقوى في اللغة مأخوذة من «التوقي»، أي أخذ الوقاية؛ ففي الصيام يتوقى المؤمن من المعاصي والآثام، ويتخذ لنفسه وقاية من سخط الله. فالامتناع عن الطعام إذن ليس غاية في ذاته، وإنما هو الطريق إلى ما وراءه.

وقد جاء هذا المعنى في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (رواه البخاري، رقم 1904، ومسلم). والجُنّة هنا وقاية وستر، فالصائم الحق لا يردّ الإساءة بمثلها، بل يقول لمن أساء إليه: إني صائم.

ويؤكد من كتبوا في الصيام أنه تهذيب لا تعذيب؛ فإن لم يؤتِ ثمرته فليس العيب في العبادة، وإنما في سوء تصرف الصائم وقلة مراقبته لربه. وهم يرون أن من صام عن إيمان واحتساب يكون أهدأ نفسًا وأشرح صدرًا وأحسن خلقًا في معاملته وحلمه.

دروس في كل يوم

وللصيام عناوين كثيرة في هذه المدرسة، منها: الصبر، واستشعار أحوال الفقراء، وترك الحرام، وامتثال أوامر الله ورسوله، والكرم والسخاء، والوفاء بالمواعيد، والتكافل بين الناس، والأخلاق الرفيعة، والاطمئنان النفسي، وكثرة قراءة القرآن، والتفرغ للعبادة. ولكل واحدة منها أدلتها من الكتاب والسنة. ونقف هنا عند بعض هذه الدروس.

الصبر أول الدروس. فالصائم يدع ما يشتهيه امتثالًا لأمر ربه، وفي هذا تدريب عملي على ضبط الرغبة. وقد رأى كتّاب أن تقوية الإرادة ليست أمرًا هينًا، وأن الصيام ميدان تتعلمها فيه النفس شهرًا كاملًا، ثم تحمل ما تعلمته إلى بقية العام.

ثم الرحمة بالمحتاجين. فمن تربّى في النعمة ولم يذق الجوع ولا مرارة العطش قد لا يدري ما يحلّ بغيره، لكن الصيام يمنحه تذكيرًا عمليًا أبلغ من خطبة الخطيب. والجوع يجعل الغني يتذكر حال المعسرين، فيدفعه ذلك إلى الرأفة والرحمة، ويقوده إلى البذل والصدقة. وحين يستوي الناس في الجوع تزول غفلة الشبعان عن الجائع.

ثم الإخلاص. فالحديث القدسي يبيّن أن الله اختص الصوم لنفسه من بين الأعمال، فقال: «فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ». ويرى أهل العلم أن ذلك لشرف الصيام عند الله، ولأنه سرّ بين العبد وربه لا يطلع عليه أحد سواه. وهكذا يتدرّب الصائم على مراقبة الله حين لا يراه أحد.

ثم القرآن. فمن أقبل على القرآن في رمضان وأكثر من قراءته نال مضاعفة الحسنات، وتدرّب كذلك على مواصلة القراءة بعد رمضان، ويحفزه ذلك على تدبر الآيات وتعقلها ومحاسبة النفس عليها.

وللصيام وجه اجتماعي لا يقلّ عمّا سبق. فالصائمون على اختلاف مراتبهم، أغنياءَ وفقراء، يتساوون في الحكم وفي الجوع، ثم يفطرون جميعًا في وقت واحد لا يتقدم أحد عن أحد ولا يتأخر، وفي ذلك تعليم للأمة معنى النظام في المعيشة، وغرس للألفة بين الناس. ومن دروس هذه المدرسة جمع المسلمين على عبادات عدة في أقل من يوم وليلة، وغرس الفرح والسرور في النفوس.

ثمار تنتظر الصائم

ولهذه المدرسة جوائزها. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (رواه البخاري، رقم 38، ومسلم). والإيمان هنا اعتقاد بأن الله فرض الصيام، والاحتساب طلب للأجر والمثوبة منه سبحانه.

وقال أيضًا: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ» (رواه البخاري، رقم 1896، ومسلم من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه). وفي حديث أبي هريرة نفسه: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ». فهو يفرح عند فطره بما أنعم الله عليه من إتمام هذه العبادة، ويفرح عند لقاء ربه حين يجد جزاء صومه كاملًا.

وختم الله آيات الصيام بقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (سورة البقرة: 185) والصيام الصحيح يورث معرفة بقدر النعمة، فالنعمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها، وكلما ازدادت معرفة المسلم بها ازداد قيامه بشكرها.

حين ينتهي الشهر

والمقصود من فريضة الصيام توجيه الأمة إلى ربّ رمضان في جميع الأزمان، لا مجرد عبادته في رمضان. فمن صام ثم عاد إلى ما كان عليه من الإصرار على المعاصي فقد خرق ما بُني له من وقاية. وعلى الصائم أن يمسك لسانه عن البذاء وفضول الكلام كما أمسك فمه عن الطعام والشراب، وأن يتدرب على الصدق والنصح في معاملاته ليحملهما معه بعد رمضان.

وقد وصف الله المتقين بقوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (سورة الأعراف: 201) فهذه حال من تربّى على المراقبة: إذا غلبه الشيطان تذكّر ثم أبصر طريقه. وهذا هو الأثر الذي يُرجى للصيام أن يغرسه في النفس.

ولعل خير ما يقال في ختام الحديث عن هذه المدرسة أن شهادتها الحقيقية لا تُكتب على ورق، وإنما تظهر في لسان لا يؤذي، ويد تعطي، وقلب يخشى ربه حين يغيب الناس.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *