صفحتان مزخرفتان من مصحف مخطوط
| |

«إنما الأعمال بالنيات»: الحديث الذي افتتح به العلماء كتبهم

ابتدأ الإمام البخاري صحيحه بهذا الحديث، وبدأ به الإمام النووي كتبه: «الأذكار» و«رياض الصالحين» و«الأربعين النووية». فما الذي جعل هذا الحديث أهلًا لهذه المكانة؟ إنه يضع ميزانًا لما لا يراه أحد: ما في القلب.

والحديث هو ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (رواه البخاري (رقم 1)). وفي رواية أخرى عنده زيادة: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» (رواه البخاري (رقم 54) ومسلم (رقم 1907)). وراوي الحديث هو ثاني الخلفاء الراشدين، وأول من لُقّب بأمير المؤمنين على العموم.

مكانة تواترت بها كلمات الأئمة

وقد أولى علماء الحديث هذا الحديث عناية كبيرة لاشتماله على قواعد عظيمة من قواعد الدين، حتى جعل بعضهم مدار الدين على حديثين: هذا الحديث، وحديث عائشة رضي الله عنها: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». ووجه ذلك أن الثاني ميزان للأعمال الظاهرة، وهذا ميزان للأعمال الباطنة.

وقد نقل السيوطي في «الأشباه والنظائر» تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم هذا الحديث، فقال أبو عبيدة: ليس في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة منه. واتفق الشافعي وأحمد وغيرهما، فيما نقله السيوطي، على أنه ثلث العلم؛ ووجّه البيهقي ذلك بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة. وقال أبو داود عنه، كما في «جامع العلوم والحكم»، إنه نصف الإسلام، لأن الدين إما ظاهر وهو العمل، أو باطن وهو النية.

ما النية؟

النية في اللغة هي القصد والإرادة، فهي من أعمال القلوب. وفي الاصطلاح هي عزم القلب على فعل الشيء. ويتبين من ذلك أنها ليست لفظًا يردده اللسان، بل هي اتجاه داخلي يسبق العمل ويصاحبه. ولهذا فإن قوله صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات» معناه أنه ما من عمل إلا وله نية، فالمكلف لا يعمل عملًا باختياره من غير قصد.

وللنية فائدتان: تمييز العبادات بعضها عن بعض، وتمييز العبادات عن العادات. ومن هذا الباب استنبط العلماء قاعدة «الأمور بمقاصدها»، وهي من القواعد الكبرى التي أُخذت من هذا الحديث.

وإنما لكل امرئ ما نوى

يستفاد من هذه الجملة وجوب الإخلاص لله في جميع الأعمال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه لا يخلص للعبد من عمله إلا ما نوى. فمن أراد بعمله الله والدار الآخرة كتب الله له ثوابه وأجزل له العطاء، ومن أراد السمعة والرياء حبط عمله. وفي معنى ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا﴾ (سورة الكهف: 110).

وفي حديث آخر: «من كانت الدنيا همّه فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرة نيّته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (رواه ابن ماجه (رقم 4105) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه). فالنية لا تتعلق بالقلب وحده، بل يمتد أثرها إلى حال الإنسان كله: طمأنينته وانشغاله وسعيه.

نية تبلغ بصاحبها ما لم يبلغه عمله

ومن أعجب ما في أثر النية أنها قد ترفع صاحبها إلى منازل لم يصل إليها بجهده. وقد يُكتب للعبد ثواب أعمال عظيمة لم يعملها بالنية، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك: «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم». قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة، حبسهم العذر» (رواه البخاري (رقم 4423) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه).

وفي ذلك عزاء كبير لمن حال بينه وبين الخير عذر: من مرض أو ظرف قاهر؛ فإذا صدقت نيته كُتب له ما نوى. وهذا يعيد تعريف «الإنجاز» عند المسلم: ليس الحاصل وحده ما يُحسب، بل ما يعزم عليه القلب ويصدق فيه.

هجرة لا تنقطع

ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا بالهجرة ليوضح الفكرة: فمن هاجر طاعةً لله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر لدنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه. والهجرة في الأصل الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، لكن الهجرة بمعنى أوسع لا تنقطع، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، رواه البخاري (رقم 10))، فمن هجر السوء إلى الصلاح فقد هاجر.

والمثل بالهجرة يلفت إلى أن العملين قد يتشابهان في الصورة ويفترقان في الحقيقة: رجلان انتقلا من مكان إلى مكان، أحدهما يطلب رضا الله والآخر يطلب دنيا. وصورة العمل الظاهرة لا تكشف الفرق، أما ما يعلمه الله من القصد فهو الذي يحدده.

أن نستحضرها كل يوم

والفعل الواحد قد يكون عادة عند إنسان وعبادة عند آخر بحسب ما قصد؛ فالنية هي التي تميز الصدقة عن قضاء الدين، وتميز ما يُثاب عليه العبد مما لا ثواب فيه. وهذا ما يجعل الحديث مفتاحًا للحياة اليومية: العمل والدراسة وخدمة الأهل تتبدل قيمتها عند صاحبها بحسب ما يقصده بها.

ولعل أبلغ ما يُستخلص من الحديث دعوة إلى مراجعة النفس قبل العمل لا بعده: لماذا أفعل هذا؟ ولمن؟ وينبغي الحذر من الرياء، وأن يجعل الإنسان العاقل همّه الآخرة في الأمور كلها ويتعهّد قلبه. فإذا صحّ الجواب صحّ ما بعده.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *