الإيمان بالقدر: كيف يصير سببًا للطمأنينة لا للقلق؟
هناك أسئلة تُتعب القلب أكثر مما تُتعبه المصيبة نفسها: لماذا حدث هذا؟ ماذا لو فعلت غير ما فعلت؟ لو أني خرجت مبكرًا، لو أني اخترت الطريق الآخر. وقد تطول هذه الأسئلة فتصير ثقلًا يومًا بعد يوم. وفي ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر ما يعالج هذا الحال: فالعبد إذا علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، استراح من القلق وانقطع عنه الاضطراب.
فالإيمان بالقدر ليس مسألة تُحفظ في الذهن، بل هو نور في القلب وقوة في الروح وطمأنينة في النفس. وفيما يأتي أهم ثمار هذا الإيمان.
طمأنينة تقطع طريق الجزع
والمؤمن حين يسلّم بقدر الله ويرضى بقضائه تحصل له طمأنينة في القلب وهدوء في النفس. ويستند في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ﴾ (سورة الحديد: 22). ثم تأتي الآية التي بعدها لتبين الغاية: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا۟ بِمَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍۢ فَخُورٍ﴾ (سورة الحديد: 23).
فلا يجزع الإنسان عند المصائب، ولا يغتر بما يحقق من مكاسب. وفي ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (رواه مسلم (رقم 2999) من حديث صهيب رضي الله عنه). والمؤمن في هذا رابح في كل حال، بينما يضيق صدر من ضعف إيمانه بالقدر ويجزع.
ليس دعوة إلى الكسل
وكثيرًا ما يُفهم القدر فهمًا خاطئًا، فيُظن أنه يعني ترك العمل. والإيمان بالقدر ليس دعوة إلى القعود والتكاسل، وإنما الله عز وجل علم الأسباب ونتائجها وربط الأسباب بمسبباتها، ومجموع ذلك هو القدر؛ فالتوكل على الله لا ينافي الأخذ بالأسباب. ولا يكون التسليم بالقدر إلا بعد أن يبذل الإنسان وسعه في سلوك الطرق المؤدية إلى الخير.
ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن «لو» تفتح عمل الشيطان» (رواه مسلم (رقم 2664) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه). فالحديث يجمع الجهد والتسليم: جهدٌ قبل وقوع الأمر، وتسليمٌ بعده.
وفي الاتجاه نفسه قوله صلى الله عليه وسلم: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»؛ فالقدر لا يعطل العمل بل يحفزه. وهو حديث رواه البخاري (رقم 4949) من حديث علي رضي الله عنه.
توكل لا يتعلق بالمخلوقين
ومن ثمرات الإيمان بالقدر قوة التوكل على الله؛ فمن علم أن الأمور كلها بيد الله لا يقع شيء إلا بإذنه اعتمد عليه وفوّض أمره إليه، ولم يتعلق قلبه بالمخلوقين الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا. وفي ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ﴾ (سورة الطلاق: 3).
ومما يُذكر في هذا الباب وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (رواه الترمذي (رقم 2516)). فمن تأمل هذا الحديث ارتاح من قلق الحسابات، فلا يرجو من الناس ما ليس بأيديهم، ولا يخشاهم فيما ليس لهم.
شجاعة وقناعة
ومن الثمرات: الشجاعة؛ فمن أيقن أن أجله مكتوب لا يتقدم بشجاعة ولا يتأخر بجبن عاش حرًّا بعيدًا عن الوهن، ثابتًا على الحق. ومما يستدل به قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (سورة الأعراف: 34).
ومنها القناعة وزوال الحسد. والحاسد إنما يحسد لأنه لم يرض بقسمة الله، أما من آمن بالقدر فيعلم أن الأرزاق مقسومة، وأن الله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء بحكمة، فلا يحسد أحدًا ويرضى بما قسم الله له ويشكر نعمه. والعبد حين يعلم أن رزقه مقدر مكتوب يزهد في الحرام ويقبل على الحلال طمأنينة ويقينًا.
معرفة بالله وحياء منه
ومن الثمرات أيضًا ما هو أقرب إلى القلب: أن الإيمان بالقدر يفتح للمؤمن باب معرفة الله وأسمائه وصفاته، فيرى آثار علمه في كل شيء، ويعلم أن ربه محيط بسره وعلانيته؛ فيستحيي أن يحمل في قلبه نية فاسدة أو مقصدًا غير مرضي. وبهذا يصير الإيمان بالقدر تربية للسريرة قبل أن يكون تسليمًا للأحداث.
من الفكرة إلى الواقع
ويبقى تنبيه مهم: هذا الإيمان لا ينبغي أن يبقى معرفة نظرية، بل يجب أن يظهر أثره في السلوك: في المواقف عند الشدائد، وفي التعامل مع تقلبات الحياة، وفي النظر إلى الأحداث. فنرضى بقضاء الله، ونحسن الظن به، ونوقن أن ما عنده خير وأبقى.
وعلى هذا يعيش المؤمن بين صبر ورضا، وبين عمل وأمل، ثابت القلب مطمئن النفس. ومن أخذ بالأسباب وفعل ما عليه، ثم سلّم الأمر لربه، فقد جمع بين الأمرين: جدّ في العمل وسكينة في القلب.







