الحياء: الخلق الذي جعله النبي شعبةً من الإيمان
يسمّي الناس الحياء أحيانًا ضعفًا، فيقولون عن الخجول إنه لا يعرف كيف يأخذ حقه. غير أن الحياء كما عرّفه أهل العلم شيء آخر: هو خلق يبعث على فعل الجميل وترك القبيح، ويمنع صاحبه من التقصير في حق من له الحق. ومن أراد أن يعرف قيمته فلينظر إلى مجتمع فقد أهله هذا الخلق، فسيرى كيف تهون المعاصي في العيون وتخفّ حرمة الناس على الألسنة.
وقد أولى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخلق مكانة خاصة، حتى جعله من الإيمان نفسه، وسمّاه خلق الإسلام.
شعبة من شعب الإيمان
قال صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان» (رواه البخاري (رقم 9)، ورواه مسلم (رقم 35) بلفظ: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة»، وفيه أن أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق). وفي رواية مسلم جُمع الحياء مع أفضل الشعب وأدناها في سياق واحد، فبدا الإيمان صورةً متكاملة فيها القول والعمل والخُلق.
وسرّ هذا الارتباط أن كلًّا من الحياء والإيمان داعٍ إلى الخير مقرِّب منه، صارف عن الشر مبعِد عنه. فالإيمان يقول للعبد: الله يراك، والحياء يقول له: فكيف تفعل ما يُستحى منه؟ وفي موقف شهير مرّ النبي صلى الله عليه وسلم برجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء، كأنه يلومه على كثرته، فقال: «دعه فإن الحياء من الإيمان» (رواه البخاري (رقم 24)).
خلق الإسلام وزينة الأخلاق
ومن النصوص الجامعة في هذا الباب قوله عليه الصلاة والسلام: «إن لكل دين خلقًا، وخلق الإسلام الحياء» (رواه ابن ماجه (رقم 4181)). والإسلام زينة الأديان كما أن الحياء زينة الأخلاق.
وهذه الزينة حقيقية، كما يبيّن الحديث الآخر: «ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه» (رواه الترمذي (رقم 1974)). فالحياء إذا دخل في كلام الإنسان أضفى عليه وقارًا، وإذا دخل في معاملاته أضفى عليها لطفًا وثقة، وإذا دخل في بيته جعل أهله يأمنون ألفاظه وتصرفاته. ويؤكد الحديث أن الحياء لا يضيف إلى الأشياء إلا جمالًا.
وهو فوق ذلك صفة كريمة نسبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه على ما يليق بجلاله، فقال: «إن الله عز وجل حليم حيي ستير يحب الحياء والستر» (رواه أبو داود (رقم 4012)). وقال في حديث آخر عن سلمان رضي الله عنه: «إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين» (رواه الترمذي (رقم 3556)). فمن تخلّق بالحياء فقد تخلّق بخلق يحبه الله ويحب أهله.
الحياء لا يأتي إلا بخير
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء لا يأتي إلا بخير» (رواه البخاري (رقم 6117) ومسلم (رقم 37)). والحياء خير كله، ومن أعظم أسباب الجرأة والبذاءة والفحش في الناس فقدان الحياء.
وفي الجهة المقابلة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» (رواه البخاري (رقم 6120)). ومعناه أن من فقد الحياء لم يبق ما يردعه عن شيء.
الحياء من الله أولًا
أعلى درجات الحياء أن تستحي من الله. وهو ينشأ من علم العبد بأن الله يراه ويسمعه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾ (سورة العلق: 14). ومن هنا يحمل الحياء صاحبه على شكر النعمة وامتثال الأمر واجتناب النهي، فلا يجاهر بمعصية، وإن زلّ عاد سريعًا يطلب العفو.
ومن هذا الشعور أيضًا الحياء من الملائكة الكرام، فإن معنا من لا يفارقنا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَٰفِظِينَ كِرَامًا كَٰتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الانفطار: 10-12). فمن استحضر أن عليه حافظين كرامًا استحيا أن يُري ملائكة ربه ما يستحيي أن يراه الناس.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة في ذلك، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه» (رواه البخاري (رقم 3562) ومسلم (رقم 2320)).
حياء لا يعطّل الحق
قد يظن بعضهم أن الحياء يمنع من قول الحق أو الأمر بالمعروف، وهذا فهم مغلوط. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أشد الناس حياءً، ولم يمنعه ذلك من البيان ولا من الغضب لله إذا انتُهكت محارمه. والأدق أن نقول: لا حياء في تعلّم الدين، لأن الذي يمنع صاحبه من التعلم أو من النصيحة أو من قول الحق ليس حياءً في الحقيقة، وإنما هو خجل. وفي القرآن ما يؤكد هذه الحقيقة: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْىِۦ مِنَ الْحَقِّ﴾ (سورة الأحزاب: 53)، فالحق لا يُستحيا منه ولا يُسكت عنه خجلًا.
والفرق بين الاثنين فرق في الوجهة: الحياء يصرفك عن القبيح، والخجل المذموم يصرفك عن الواجب. وإذا اختلط الأمر عليك فاسأل: هل يمنعني هذا الشعور من شيء يكرهه الله، أم من شيء يحبه؟
كيف نحيي هذا الخلق؟
ومما يبعث على الحياء من الله تعظيمه وإجلاله، فكلما عظُم الله في قلب العبد عظُم حياؤه، وأن يدرك العبد إحاطة الله به واطلاعه على عباده وقربه منهم. ويتولّد الحياء كذلك من علم العبد بنظر الحق إليه، فيدفعه ذلك إلى مجاهدة النفس واستقباح الذنب. وأقرب طريق إلى حفظه أن يتعاهد الإنسان نفسه في الخلوة، حيث لا يراه أحد غير الله، فهناك يُختبر الحياء على حقيقته.
وهكذا يبقى الحياء، كما وصفه أهل العلم، رأس مكارم الأخلاق وزينة الإيمان؛ يستر الإنسان من الداخل قبل أن يستره الثوب من الخارج.







