مسجد تاريخي في كيشورغنج
| |

معرفة الله بأسمائه الحسنى: حين يتحول الاسم إلى حياة في القلب

يعرف الناس كثيرًا من الأسماء ولا تتغير بها حياتهم. يحفظ أحدنا أسماء مدن لم يرها وأسماء أشخاص لم يلتقهم، فلا يهتز فيه شيء. أما أسماء الله الحسنى فلها شأن آخر، لأنها ليست معلومات تُجمع بل تعريف بالله نفسه، وكلما اتسع هذا التعريف في القلب اتسع معه الإيمان، وتبدلت نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الدنيا وإلى ما يصيبه فيها.

ولهذا جعل القرآن هذا الباب بابًا عامًّا مفتوحًا لكل من أراد القرب، فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (سورة الأعراف: 180). أمرٌ بالدعاء، ولكنه أمرٌ يمرّ عبر المعرفة؛ فمن لا يعرف الأسماء لا يدعو بها، ومن يدعو بها وهو لا يفقه معانيها يدعو بلسانه وحده.

الاسم مدخل إلى المعرفة

حاجة القلوب إلى معرفة خالقها أشد من حاجتها إلى أي شيء آخر، ولا طريق إلى هذه المعرفة إلا من أوصافه وأسمائه التي عرّف بها نفسه. وهي معرفتان: معرفة عامة يشترك فيها الناس جميعًا، المطيع منهم والعاصي، وهي الإقرار بوجود الله؛ ومعرفة خاصة تثمر مراقبة الله والحياء منه ومحبته وتعلّق القلب به والشوق إلى لقائه. وهذه الثانية لا تحصل إلا لمن أقبل على أسمائه وصفاته فتأمّلها.

والأمثلة قريبة. حين يعلم الإنسان أن الله سميع، وأنه يسمع الأصوات كلها على اختلاف لغاتها ولهجاتها دون أن يختلط عليه صوت بصوت، يستحي أن يُسمِعه ما لا يليق، ويتخيّر كلماته. وحين يعلم أنه بصير يرى كل شيء، حتى دبيب النملة في ظلمة الليل، يستحي أن يراه على معصية وهو يتقلب في نعمه. وحين يعلم أنه الرزاق يطمئن إلى أن الرزق بيده، وحين يعلم أنه الغني الحميد يدرك فقره هو وحاجته. فمن عرف ربه عرف نفسه معه.

ثم إن من أعجب الأمور أن يعرف الإنسان ربه ثم لا يحبه، وأن يسمع داعيه ثم يتأخر عن الإجابة، وأن يعرف مقدار غضبه ثم يتعرض له. فالمعرفة الحقة تُحدث في النفس أثرها؛ وإذا لم تُحدث أثرًا فالأولى أن نراجع ما نظنه معرفةً، ونطلب من الله أن يفتح لنا في فهم أسمائه ما لم نكن نبصره.

وإذا تأمل المرء أحوال الناس مع الخلق وجد ما يوضح الفكرة: فمن أراد أن يتعامل مع إنسان أو يصاهره سأل عن اسمه ونسبه وصغير أمره وكبيره، فكيف بمن خلقنا ورزقنا ونرجو رحمته ونخاف سخطه؟ إنه أولى بأن نتعرف إلى أسمائه وصفاته ونفهم معانيها.

المعرفة التي تصنع الخشية

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (سورة فاطر: 28). وليست الخشية هنا فزعًا مجردًا، وإنما هي ثمرة العلم بالله وبقدرته وأسمائه. فكلما كان العبد بالله أعرف كان منه أخشى، وإلى عبادته أسرع، وعن معصيته أبعد. وهي معادلة تتكرر في القرآن في نحو ثلاثين موضعًا يأمر فيها الله عباده أن يعلموا أنه عزيز حكيم، شديد العقاب غفور رحيم، سميع عليم، وكأن العلم بهذه الأسماء مطلوب في ذاته ومقدمة لما بعده.

ويظهر ذلك في بداية الدعوة نفسها؛ فقد وجّه النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن وأمره أن يكون أول ما يدعوهم إليه توحيد الله، فإذا عرفوا ذلك أخبرهم بما افترض الله عليهم من الصلاة (رواه البخاري برقم 7372، ومسلم برقم 19). فمعرفة الله أصل الطاعة، إذ لا يمتثل أمر الله ولا يجتنب نهيه إلا من عرفه؛ ومن عرفه حق المعرفة صارت الطاعة عنده شوقًا بعد أن كانت واجبًا.

إحصاء الأسماء: حفظ وفهم وعمل

روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة» (رواه البخاري برقم 7392، ومسلم برقم 2677). وليس المراد بالإحصاء ترديد الألفاظ وحفظ ترتيبها، بل هو مراتب ثلاث: حفظ الأسماء، ثم فهم معانيها، ثم القيام بما تقتضيه من عبودية. فما من اسم إلا وله عبادة تختص به؛ فاسم الرحيم يفتح باب الرجاء، والتواب يفتح باب الرجوع، والعليم يغرس المراقبة، والغني يعلّم القناعة والتعفف.

وفي قصة الرجل الذي بعثه النبي ﷺ على سرية فكان يختم قراءته في الصلاة بـ«قل هو الله أحد» ما يدل على هذا المعنى؛ فلما سألوه قال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ: «أخبروه أن الله يحبه» (رواه البخاري برقم 7375، ومسلم برقم 813). أحبّ الرجل صفات ربه فأحبه الله. وهذه هي الثمرة التي تقصدها المعرفة كلها: أن يتحول العلم محبةً.

دعاء بالأسماء

للدعاء مع المعرفة طعم مختلف. أن تقول: «اللهم اغفر لي» شيء، وأن تقول: «يا غفار اغفر لي» شيء أقرب إلى القلب؛ وكذلك: «يا رحيم ارحمني»، و«يا رزاق ارزقني». فتختار من الأسماء ما يناسب حاجتك، فيكون الدعاء تعبيرًا عن يقين لا ترديدًا لعبارة محفوظة. والله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (سورة غافر: 60).

وفي القرآن مواضع كثيرة تجتمع فيها الأسماء كأنها لوحة واحدة، ومنها خواتيم سورة الحشر، حيث يعرّف الله عباده بنفسه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ (سورة الحشر: 23). من أطال الوقوف عندها وجد أن كل اسم يفتح في القلب بابًا: بابٌ للتعظيم، وبابٌ للأمن، وبابٌ للرجاء، وبابٌ للخضوع.

كيف نبدأ؟

لا يحتاج الأمر إلى مشروع ضخم؛ يكفي أن يأخذ المرء اسمًا واحدًا كل أسبوع، فيقرأ آياته ومعناه، ويسأل نفسه: ماذا يطلب مني هذا الاسم؟ ثم يعمل بالجواب في يومه، ويدعو الله به. وبعد أشهر يجد أن علاقته بالله لم تعد كلمات عامة، بل صارت معرفة تتجدد، وأن في قلبه ربًّا يعرفه باسمه، ويسير إليه على بصيرة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *