المسجد الكبير في مدينة مراوي جنوب الفلبين
| |

الصلاة مدرسة الخُلق: كيف تُهذّب خمسُ وقفات يوميةٍ النفسَ؟

لم يعرف تاريخ الأديان دينًا بلا صلاة. ذكرها القرآن في دعاء إبراهيم عليه السلام، وفي وصية لقمان لابنه، وفي وصية عيسى عليه السلام حين نطق في المهد، وأمر الله بها موسى عليه السلام في أول ساعات الوحي: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (سورة طه: 14). وهي في الإسلام أول عبادة فُرضت على المسلمين، وفُرضت من دون سائر العبادات في السماء ليلة الإسراء والمعراج، بخطاب مباشر من الله لنبيه ﷺ. وفي هذه العناية ما يوحي بأن لها مكانة خاصة في بناء الإنسان.

غير أن السؤال الذي يستحق أن نقف عنده ليس: كم صلينا؟ بل: ماذا فعلت بنا صلاتنا؟ هل غيّرت شيئًا في طباعنا وتعاملنا؟ فللصلاة حكمة ظاهرة هي تهذيب النفس، وتقويم الأخلاق، وتدريبها على الفضائل مرات في اليوم والليلة. وهذا ما نحاول أن نتأمله في الأسطر الآتية، بعيدًا عن التفاصيل التي يعرفها كل مصلٍّ، وقريبًا من المعنى الذي شُرعت الصلاة من أجله.

صلاة تنهى عن الفحشاء

يقول الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (سورة العنكبوت: 45). في الآية وعدٌ بأن الصلاة تحمل في ذاتها قوة تمنع صاحبها مما يشين. لكن هذا الأثر لا يأتي من حركات تؤدى على عجل، بل من صلاة يقف فيها العبد معظّمًا لربه، خائفًا منه، راجيًا رحمته؛ فحظ كل مصلٍّ من صلاته بقدر خوفه من الله وتأثر قلبه بخشيته.

وقد وصف القرآن الصلاة التي تصنع الفلاح فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (سورة المؤمنون: 1-2). فالصلاة التي يريدها الإسلام ليست أقوالًا يلوكها اللسان وحركات تؤديها الجوارح بلا تدبّر، بل مناجاة يحضرها العقل ويخشع لها القلب.

كيف تُربّي الصلاةُ الخُلق؟

في كل جزء من أجزاء الصلاة تمرين على فضيلة. فالمصلي يعزم على أداء الصلاة كما أمر الله، لله وحده، وهذا يغرس الإخلاص في نفسه حتى يصبح صفة ثابتة، ولا شيء أنفع للمجتمع من الإخلاص في القول والعمل.

ويقف المصلي بين يدي خالقه خاشعًا، ثم يركع ويسجد، ولا يكتفي بانحناء الظهر ووضع الجبهة على الأرض، بل يستشعر قلبه أنه عبد ينحني أمام إله عظيم لا حد لقدرته، يسمع ما يقول ويعلم ما ينوي. وحين يتكرر هذا المعنى في اليوم والليلة مرات عديدة يبقى القلب خائفًا من ربه، فيأتمر بما أمر به وينتهي عما نهى عنه، فلا ينتهك للناس حرمة، ولا يظلمهم في مال، ولا يؤذيهم في دين، ولا يصدر عنه إلا النفع والخير.

ثم هو يقرأ في صلاته آيات تذكر صفات الله، فيتعلم من تكرارها كيف يتخلق بما يليق بالعبد منها، فإذا مرّ ذكر الله على لسانه وجل قلبه، وإذا تُليت عليه الآيات زادته إيمانًا. وكل ما تأثرت به النفس أحبّت الاتصاف به؛ ولذلك كانت الصلاة طريقًا إلى تهذيب النفوس ونهيها عن الفحشاء والمنكر.

وهكذا تتحول الصلاة من واجب يُنجز إلى مدرسة يتخرج فيها الإنسان كل يوم؛ تعلّمه التواضع حين يضع جبهته على الأرض، والصدق حين يقف بين يدي من يعلم السر وأخفى، والصبر حين يقاوم الكسل ويقوم إليها في أوقاتها، والرحمة حين يقف في صف مع إخوانه.

الصلاة التي تغسل وتُعين

ويجتمع إلى تهذيب الأخلاق أثر آخر هو تطهير النفس. سمع أبو هريرة رضي الله عنه رسول الله ﷺ يقول: «أرأيتم لو أن نهرًا ببابِ أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا، ما تقولون ذلك يُبقي من دَرنه؟» قالوا: لا يُبقي من درنه شيئًا. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بها الخطايا» (رواه البخاري برقم 528). وهي صورة قريبة جدًّا: يخرج الإنسان من زحام يومه محمّلًا بغبار الدنيا، فيقف بين يدي ربه وقتًا يعيد فيه نفسه إلى صفائها.

وهي أيضًا قوة للمسلم في محنته؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة البقرة: 153). فهي تحثّ على الصبر والتحمل، وتقوّي العزيمة، وتريح الفكر والجسد من مشاغل الحياة. وكان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ولا يزال هذا المعين متاحًا لكل مؤمن يطلب زادًا في الطريق.

ثمرتها في المجتمع

وللصلاة وجه اجتماعي لا يقل أثرًا؛ ففي وقوف الناس صفوفًا متراصة متساوية تعارف يقرّب القلوب المتنافرة ويزيل ما فيها من ضغائن. وهو تذكير عملي بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (سورة الحجرات: 10). فالذين يجتمعون لعبادة ربٍّ واحد لا ينبغي أن ينسوا أنهم إخوة، يرحم كبيرُهم صغيرَهم، ويوقّر صغيرُهم كبيرَهم، ويواسي غنيُّهم فقيرَهم.

وسئل النبي ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ فقال: «الصلاة في وقتها» (رواه البخاري برقم 7534)، وهي من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وفي المحافظة على الوقت تربية على الانضباط، وتعويد على أن تكون لله في يوم الإنسان حصة ثابتة لا يشغلها عمل ولا لقاء.

سؤال لكل مصلٍّ

وما أبعد الفرق بين من يقوم إلى الصلاة وهو يقول: أرحنا بها، ومن يقوم إليها وهو يقول: أرحنا منها! الأول يجد فيها راحة بعد عناء اليوم، والثاني يراها عبئًا يريد الفراغ منه. وإذا أردنا أن نعرف أثر صلاتنا فلننظر إلى أخلاقنا خارجها: هل صرنا أرحم بمن حولنا؟ أصدق في الحديث؟ أبعد عن الأذى؟ فإذا وجدنا ذلك فهذه ثمرة الصلاة.

وإن لم نجده فلنبدأ من القلب؛ نصلي كما لو أننا نخاطب ربًّا يسمع ويرى، ولنتذكر أن كل صلاة تُؤدى بحضور وخشية تضيف إلى النفس لبنة جديدة في بنائها، فتنتهي السنوات وقد صارت الصلاة طبعًا لا تكلّفًا.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *