مصحف مخطوط بالخط المغربي مفتوح على صفحتين
| |

الصدق: منزلته وثمراته في الدنيا والآخرة

يعرف الناس الصدق قبل أن يتعلموا تعريفه. نطمئن إلى من إذا قال فعل، وإذا حدّث لم نحتج إلى التثبّت من كلامه، وإذا غاب لم نخشَ على سمعتنا في مجلسه. وكل علاقة سليمة بين البشر، من البيت إلى السوق، قائمة على هذا الأساس الهادئ الذي لا يُرى؛ فإذا اهتز اهتز كل ما فوقه.

وقد جعل الإسلام الصدق أوسع من مطابقة الكلام للواقع. فهو عند أهل العلم قول الحق والثبات عليه، ووفاءٌ لله بالعمل الصالح، وهو عمود الدين وركن الأدب وأصل المروءة. وحقيقته، كما جاء في بعض ما كُتب عنه، استواء السر والعلانية، وأن تقول الحقيقة وإن ظننت أن في ذكرها ما تكره.

منزلة الصدق في القرآن

أمر الله المؤمنين بالصدق وبصحبة أهله فقال: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ (سورة التوبة: 119). وقد قال ابن كثير في تفسيرها: اصدقوا والزموا الصدق تكونوا مع أهله وتنجوا من المهالك، ويجعل لكم فرجًا من أموركم ومخرجًا (انظر: تفسير ابن كثير، سورة التوبة: 119). والآية تقرن الصدق بالتقوى في نَفَس واحد، وقد نبّه أحد الكتّاب إلى أن العبد لا يصل إلى درجة التقوى حتى يكون من الصادقين المخلصين.

وهو صفة تتصل بالله جل وعلا قبل أن تكون خُلقًا للعباد: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾ (سورة النساء: 87). ثم هو سمة الأنبياء الذين يذكرهم القرآن به: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴾ (سورة مريم: 41)، و﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ﴾ (سورة مريم: 54). وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يُعرف بالصادق الأمين في قومه قبل أن ينزل عليه الوحي، حتى صار ذلك كالسجية والطبع فيه.

وحين أراد القرآن أن يرسم صورة أهل البر جمع الإيمان والإنفاق والصلاة والوفاء بالعهد والصبر في الشدة، ثم ختم بقوله: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ (سورة البقرة: 177). فسمّى الله هؤلاء صادقين، وجعلهم هم المتقين.

صدق مع الله، وصدق مع النفس

يبدأ الصدق من علاقة العبد بربه: في اليقين والنية والخوف منه، وفي الطاعات والأخلاق. وليس كل من أدّى عملًا صادقًا فيه، حتى يكون ظاهره وباطنه على الوجه الذي يحبه الله. وقد نقل ابن القيم أنه ليس شيء أنفع للعبد من صدق ربه في جميع أموره مع صدق العزيمة، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ (سورة محمد: 21) (انظر: الفوائد لابن القيم، ص186-187).

ومن أمثلة هذا الصدق ما رُوي عن أنس بن النضر رضي الله عنه؛ فقد فاتته غزوة بدر فقال: إن أراه الله مشهدًا مع النبي صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما يصنع، فلما كان يوم أحد قال لسعد بن معاذ: واهًا لريح الجنة، أجدها دون أحد. ونزل في أمثاله: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ (سورة الأحزاب: 23).

ومن الصدق مع الله أن يصدق الإنسان مع نفسه ولا يخدعها بالأماني. فكم من امرئ يزيّن لنفسه ما يعلم خطأه، ويطمئنها بأن القلب أبيض وأن الله غفور رحيم، وهو مقيم على ما يعلم. وقد قيل عن ميمون بن مهران إن الرجل لا يكون الرجل تقيًّا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه (انظر: المحاسبة لابن أبي الدنيا، رقم 7). والصدق في هذا الباب ثقيل؛ شبّهه ابن القيم بحمل الجبال الرواسي لا يطيقه إلا أصحاب العزائم، بينما الرياء والكذب خفيفان كالريشة لا يجد صاحبهما لهما ثقلًا (انظر: مدارج السالكين لابن القيم، ج2، ص276).

صدق مع الناس

ويظهر الصدق مع الخلق في الحديث والوعد والأمانة والنصح. جاء في الصحيحين: «ثلاث من كن فيه كان منافقًا: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: الصدق أمانة، والكذب خيانة. وعن علي رضي الله عنه: من إذا حدّث الناس صدقهم، وإذا ائتمنوه لم يخنهم، وإذا وعدهم وفّى لهم، وجب له عليهم أن تحبه قلوبهم وتنطق بالثناء عليه ألسنتهم وتظهر له معونتهم (بهجة المجالس لابن عبد البر، كما ذكر المصدر).

وفي سير السلف مواقف تلخص الأمر. فقد قال عمر رضي الله عنه: لأن يضعني الصدق، وقلما يفعل، أحب إليّ من أن يرفعني الكذب، وقلما يفعل (أدب الدنيا والدين للماوردي، كما ذكر المصدر). وقيل للقمان الحكيم: ما بلغ بك ما نرى؟ قال: تقوى الله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني (شعب الإيمان للبيهقي، كما ذكر المصدر). وقال العجلي عن ربعي بن حراش، وهو تابعي ثقة، إنه لم يكذب قط (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، كما ذكر المصدر). وكان له ابنان عاصيان زمن الحجاج، فقيل للحجاج إن أباهما لم يكذب قط فاسأله عنهما، فسأله فأخبره أنهما في البيت، فقال الحجاج: قد عفونا عنهما بصدقك.

ويبدأ الأمر من البيت. فقد ذكر خطيب في هذا الباب حديث عبد الله بن عامر (أخرجه أحمد وأبو داود) أن أمه دعته والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتهم فقالت: تعال أعطيك، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم ماذا أرادت أن تعطيه، فقالت: تمرًا، فقال: «أما إنك لو لم تعطيه شيئًا كُتبت عليك كذبة». وفي ذلك تذكير للآباء بأن الطفل يتعلم الصدق ممن يراه صادقًا، وقد قال عبد الملك بن مروان لمؤدّب ولده: علّمهم الصدق كما تعلمهم القرآن (المجالسة للدينوري، كما ذكر المصدر).

ثمرات الصدق في الدنيا

أولى هذه الثمرات ما بيّنه حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي رواه البخاري ومسلم: «عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يُكتب عند الله صدّيقًا، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يُكتب عند الله كذّابًا». فالصدق عادة تتراكم حتى تصير وصفًا يلازم صاحبه.

وفي قصة أصحاب الغار التي أخرجها البخاري ومسلم أن الصخرة لما انطبقت عليهم قال بعضهم لبعض: «لا ينجيكم إلا الصدق، فليدعُ كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه». فدعا كل واحد منهم بعمل أخلص لله فيه، ففُرجت لهم الصخرة شيئًا بعد شيء حتى خرجوا. فكان الصدق بابَ فرجٍ بعد ضيق.

ومنها البركة في الرزق. قال النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه حكيم بن حزام رضي الله عنه: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما» (رواه البخاري (رقم 2079) ومسلم (رقم 1532)).

ومنها راحة القلب. روى الحسن بن علي رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة» (رواه الترمذي (رقم 2518) والنسائي (رقم 5711)). ومنها رفعة المنزلة بين الناس، وقد قال الفضيل بن عياض: لم يتزين الناس بشيء أفضل من الصدق وطلب الحلال (انظر: شعب الإيمان للبيهقي، ج4، رقم 4900).

ما يبقى منه

يقول الله تعالى: ﴿ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ (سورة المائدة: 119). فالآية تنص على أن الصدق هو ما ينفع الصادقين في ذلك اليوم.

وقال سبحانه في ثواب الطاعة: ﴿ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ (سورة النساء: 69). ومن الأحاديث الواردة في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه»، رواه مسلم. وروى عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: «اضمنوا لي ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم»، وقد أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم.

ما يبقى للقارئ

قال الجنيد إن حقيقة الصدق أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب. وهي عبارة قاسية، لكنها تضع المعيار: الصدق الذي يُمتحن حين يكون الكذب أسهل وأنفع. وقال يوسف بن أسباط إنه يحب أن يبيت ليلة يعامل الله فيها بالصدق أكثر مما يحب أن يضرب بسيفه في سبيل الله.

وقد تكون البداية أبسط مما نظن: كلمة تُقال كما هي، ووعد يُوفى، وأمانة تُؤدى، ومحاسبة صريحة للنفس قبل أن نحاسب غيرنا. وهذه هي الدرجات الأولى التي ترفع صاحبها حتى يُكتب عند الله صدّيقًا.

المراجع

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *