المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة
| |

أول ما بدأ به النبي في المدينة: بناء المسجد ودوره في صناعة المجتمع

حين وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كانت أمامه أعمال كثيرة: جماعة جديدة تحتاج إلى تنظيم، ومهاجرون بلا مأوى، ومجتمع يتشكل من قبائل كان بعضها يعادي بعضًا. ومع ذلك بدأ بالمسجد. لم ينتظر حتى يجد لنفسه دارًا، فقد أقام عند أبي أيوب رضي الله عنه إلى أن تمّ البناء وبُنيت الحجرات.

وقد وقف أهل العلم عند هذا الترتيب طويلًا. ففي «فقه السيرة» للغزالي أن أول ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة بناء المسجد، لتظهر فيه شعائر الإسلام التي طالما حوربت، ولتقام فيه الصلوات التي تربط المرء برب العالمين. وفي هذا الترتيب رسالة واضحة: المجتمع يبدأ من الصلة بالله، وعليها تُبنى بقية العلاقات.

أرض اشتُريت ولم تُؤخذ هبة

وقد بركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في موضع كان مِربدًا، أي مكانًا يُجفَّف فيه التمر، لغلامين يتيمين، فقال: «هذا إن شاء الله المنزل» (رواه البخاري (رقم 3906)). ثم دعا سادة بني النجار وقال لهم: «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا»، أي سمّوا لي ثمنه، فقالوا: «لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله» (رواه البخاري (رقم 428)).

وقد عرض الغلامان الأرض هبةً، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبلها دون ثمن لعلمه بحاجتهما، فعوّضهما بما يناسب. وهي لفتة تستحق التأمل؛ فأول مسجد في المدينة لم يقم على مال أُخذ حياءً أو مجاملة، بل على حق أُدّي إلى أهله.

وكان حال المسلمين قبل ذلك: أعوام من الخوف والمعاناة، وصلاة بعيدًا عن الأنظار في الشعاب والأودية أو خفيةً في البيوت. فلما قام المسجد وجدوا حريتهم في أداء صلاتهم وإقامة شعائرهم دون خوف، ومن هنا نفهم فرحتهم بالبناء وهمّتهم في العمل.

عمل مشترك بيد الجميع

بدأ العمل بتسوية الأرض وقطع النخل، ثم صُفّ جذع النخل في جهة القبلة، وكانت القبلة يومها نحو بيت المقدس. وجُعلت سواري المسجد من جذوع النخل، وسقفه من الجريد وسعف النخل، واستغرق البناء اثني عشر يومًا. أما الحجرات التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ببنائها لأهله فجاورت المسجد، وانتقل إليها بعد اكتمالها.

والمشهد الأجمل هو مشهد العمل نفسه. فالصحابة ينقلون الحجارة وهم يرتجزون، والنبي صلى الله عليه وسلم معهم يقول: «اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة» (رواه البخاري (رقم 428)). وعمل المهاجرون والأنصار جنبًا إلى جنب بهمة عالية، فلما رأوا نبيهم يجهد كما يجهدون نشطوا في المهمة. فلم يكن المسجد بناءً أقامه عمال لأجل الناس، بل بناه الناس بأيديهم، فشعر كل واحد منهم أنه شريك فيه.

مسجد أُسّس على التقوى

ويُربط بين هذا البناء وما ورد في القرآن عن المساجد المؤسسة على الإيمان. قال تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (سورة التوبة: 108). وقال سبحانه في شأن بيوته: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْءَاصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَٰرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَٰرُ﴾ (سورة النور: 36-37).

ومن هنا كانت إقامة المساجد من أهم ركائز بناء المجتمع المسلم، لأن المجتمع إنما يكتسب الرسوخ والتماسك بالتزام نظام الإسلام وعقيدته وآدابه، وهذا كله ينبع من روح المسجد ووحيه.

وفي رواية عن عروة بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسّس المسجد الذي أُسّس على التقوى وصلّى فيه، ثم ركب راحلته حتى بركت عند موضع مسجده في المدينة (رواه البخاري (رقم 3906)). فكان المسجد أول ما شرع فيه بعد نزوله في قباء ثم في المدينة.

أكثر من مكان للصلاة

لم يكن المسجد النبوي موضعًا للصلاة وحدها. يقول المباركفوري في «الرحيق المختوم» إنه كان جامعةً يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ومنتدًى تلتقي فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما فرّقت بينها النزعات الجاهلية وحروبها، وقاعدةً لإدارة الشؤون كلها، ومكانًا تُعقد فيه المجالس الاستشارية والتنفيذية، ودارًا يسكنها عدد كبير من فقراء المهاجرين الذين لم يكن لهم دار ولا مال ولا أهل.

ويمكن تفصيل هذه الأدوار. ففيه كانت تُقام الشعائر، وفيه يقف الناس صفًّا واحدًا فيتعلمون النظام والمساواة والإخاء. وكان مكانًا للتعلم يُعلَّم فيه الناس القراءة والكتابة، ومأوًى للغريب وابن السبيل لا يجد فيه منّة من أحد؛ وقد وصفه محمد صادق عرجون بأنه معهد يؤمه طلاب العلم من كل صوب ثم يرجعون إلى أقوامهم مبشرين ومنذرين. ومنه كانت تنطلق قوافل الجهاد، وفيه يجتمع النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه للتشاور فيما يهمّ المسلمين.

ما الذي تقوله لنا القصة اليوم؟

ومن أراد هدم الأمة المسلمة فعليه أن يهدم مساجدها، إما بنقض بنيانها وإما بإيقاف نشاطها وتحجيم دورها. وهي عبارة تفسّر لماذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالمسجد؛ فالمسجد الحي لا يخرّج مصلّين فحسب، بل جماعة تعرف بعضها وتتعاون وتتعلم وتتشاور.

وإذا نظرنا إلى حال كثير من المساجد اليوم وجدنا أن ما بقي ظاهرًا منها هو الصلاة، وأن بقية الأدوار تحتاج إلى من يُحييها: حلقة علم، وتفقّد لجار محتاج، ولقاء يجمع الناس على الخير. وليس المطلوب أن نعيد بناء مسجد من جذوع النخل، وإنما أن نستعيد روح ذلك المسجد: مكان مفتوح للجميع، يبنيه الناس بأيديهم، ويخرجون منه أقرب إلى الله وأقرب إلى بعضهم.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *